صبحي الصالح
28
مباحث في علوم القرآن
ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا » « 1 » ، بل كانت وطأة الوحي في هذه الصورة تبلغ أحيانا من الشدة والثقل حدا يجعل « راحلته تبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها . ولقد جاءه مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت ، فثقلت عليه حتى كادت ترضها » « 2 » . أما الصورة الثانية فهي أخف وطأ وألطف وقعا ، قلا أصوات تجلجل ، ولا جبين يرشح ، بل تشابه شكلي بين الملقي والمتلقي ، ييسر الأمر في الوقت نفسه على ناقل الوحي الأمين وعلى النبي المصطفى الكريم . وفي كلتا الصورتين يحرص النبي صلوات اللّه عليه على وعي ما أوحي إليه ، إذ قال في الأولى : « فيفصم عني وقد وعيت ما قال » ، وفي الثانية « فيكلمني فأعي ما يقول » ، فأثبت لنفسه الوعي الكامل لحالته قبل الوحي ، وحالته بعد الوحي ، وحالته أثناء الوحي ، سواء أخفت أم اشتدت وطأة النازل القرآني عليه . وبهذا الوعي الكامل لم يخلط عليه السلام مرة واحدة - طيلة العصر القرآني الذي يضم كل مراحل التنزيل - بين شخصيته الإنسانية المأمورة المتلقية وشخصية الوحي الآمرة المتعالية ، فهو واع أنه إنسان ضعيف بين يدي اللّه ، يخشى أن يحول اللّه بينه وبين قلبه ، ويبتهل إلى ربه في دعائه المأثور : « اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك ، اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك » ؛ بل كان أول عهده بنزول الوحي - مخافة ضياع بعض الآيات من صدره - يعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه ، ويحرك به لسانه وشفتيه ليستذكره ولا ينساه ، ويحرص على متابعة جبريل في كل حرف يدارسه إياه « 3 » ، حتى يسر اللّه عليه حفظه بتفريقه وتنجيمه « 4 » ، وأمره بالاطمئنان إلى وعده فقال :
--> ( 1 ) صحيح البخاري 1 / 71 . ( 2 ) زاد المعاد ( لابن القيم ) 1 / 25 . ( 3 ) قارن بصحيح البخاري 6 / 163 كتاب التفسير و 9 / 153 كتاب التوحيد . ( 4 ) النبأ العظيم 25 - 26 .